البخاري
تصدير 21
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
بل يدفعه الطموح إلى أن ينمى معارفه ويوسع دائرة علمه ، وأن يلتمس المزيد ممّا لا يجده عند هؤلاء الشيوخ ، فلا ينتهى من لقائهم ولا يفرغ من التقاط ما تجود به قرائحهم إلّا ليتحوّل إلى الكتب يعكف عليها ، ويشغل وقته بقراءتها وحفظها ، ويستمر على هذا المنهاج خمسة أعوام بعد مجاوزته مقاعد الكتاب ، حتى إذا أشرفت هذه الأعوام على التمام كان قد استوعب علم الأعلام المشهورين في بلده ، وأربى عليه بحفظ ما وقع له من كتب الأئمة السابقين ، وهو يقول فيما سمعه منه وراقه محمّد بن أبي حاتم : « . . فلما طعنت في ست عشرة حفظت كتب ابن المبارك ، ووكيع ، وعرفت كلام هؤلاء » يعنى أصحاب الرأي كما يقول الحافظ ابن حجر ( هدى الساري 2 - 193 ) . وأخبار البخاري في هذه الفترة لا تبسط الحديث عن اتصاله بالكتب ، ولكنها تحمل إشارات مرشدة نستشفّ منها أنّه كان على صلة بها من صغره ، وأنّه كان يميل إلى كتب الحديث والفقه ، ويؤثرها بالقراءة والحفظ . وفيما أسلفناه من رواية محمّد بن أبي حاتم بالسماع عنه ، أنه ألهم حفظ الحديث وهو في الكتّاب ، وسنّه عشر أو أقل ، وليس من المعقول أن يكون له في تلك السن سبيل غير الكتب ، وإلّا فكيف يتمكن من هذا الحفظ الذي ألهمه ، وليس في أخباره ما يثبت أنه تعرض للسماع من أحد قبل أن يفارق الكتاب ؟ ! . وفيما سبق من رواية محمّد بن أبي حاتم سماعا من البخاري أنه حين طعن في السادسة عشرة حفظ كتب ابن المبارك ، ووكيع ، وعرف كلام أصحاب الرأي .